-

ها أنا الآن، خلف مِقودِ المازدا العجوز، أرقبُ الطريق الدائري من خلفِ زجاجٍ ضبّبتهُ الأتربة. في تلك اللحظة انحرفت شاحنة مسرعة نحو مساري. لم يكن بين حديد سيارتي والعدم سوى مترٍ واحد.
آليًا، ضغطتُ على المكابح. انزلقت الإطارات محدثة صريراً حاداً، وتوقف الزمن لثانية ابتلعت فيها ريقي الجاف. حين عاد كل شيء إلى طبيعته ومضت الشاحنة في طريقها، توقفتُ عند الإشارة التالية. اشتريتُ عبوة ماءٍ من بائع متجول، ولم أشربها. حدّقتُ في قدمي؛ هذه القطعة الصغيرة من اللحم والعظم التي تضغط برتابة على الدواسة، والتي أنقذتني للتو، ألا تملك- بجرّةِ غضبٍ أو لحظةِ يأس- أن تمضي بي إلى الهاوية؟
كيف انحدرتُ إلى هذه الحافة؟ إلى هذا الخِدْر الذي أحال نبض حياتي إلى دورانٍ آليٍّ أصم؟ حتى أتفوه بهذا السؤال؟ لأفهم ذلك، كان لِزامًا عليَّ أن أنبش في تلك المساحة الزمنية الموحشة، التي سبقت ارتهاني لهذا المبنى الزجاجي الذي غادرته للتو.. أيام العطالة والخواء قبل أن أكون موظفَّا في هذا المكان. فقد كانت العطالة انسلاخاً بطيئاً وتقشيراً قاسياً لطبقات هويتي. يوم تساقطت عني أردية الألقاب؛ من ’طالبٍ واعد‘، أو ’شابٍ ناجح‘، أو ’تمثالٍ‘ نُحت على مقاس توقعات الآخرين، وقفتُ عارياً من كل صفة، لا أدري ما الذي تخلّف مني. كنت أقف قبالة المرآة، فلا ترتدّ إليّ سوى مساحةٍ من العدم، وأتساءل في وحشة: من أكون إذن؟ وكأنني تجسيدٌ حيٌّ لصرخة أبي حيّان التوحيدي في غربته الكبرى حين قال: "لقد أمسيتُ غريب الدار، غريب الصاحب، غريب النفس." كنت أتوهّم يومئذٍ أنني ألهث وراء وظيفة، بينما كنت في يقيني أبحث عن وجهٍ أجرؤ على مطالعته دون أن يجلدني الخجل؛ عن كينونةٍ واسمٍ أرحب من أن تختزلهما بطاقة تعريف تتدلى ببلادةٍ على الصدر.
في ذروة ذلك التيه، وفي غرفتي التي تحولت إلى قبو للوقت الميت، التقيت رواية كافكا على الشاطئ. رأيتُ في كافكا تامورا شخصاً يبحث عن هويةٍ يسكنها. لقد كان يهرب من أبيه ومن لعنة النبوءة، لكن هروبه في جوهره كان بحثاً عن صوتٍ يخصه، عن حياةٍ لا تُكتب له مسبقاً في سجلات العائلة. شعرتُ أن تمزقه هو تمزقي؛ كلاهما يفر من نظرةٍ تطارده لتبحث عن ذاتها بعيداً عن قوالب جاهزة. وما لبثت الرواية أن انتشلتني من أسر التماهي مع كافكا، لتسوق إليّ في شخص العجوز ناكاتا عزاءً من طرازٍ آخر، ضرب في أعماقي فزلزل ما استقر فيها من ثوابت. ذلك الشيخ الذي انسلخ من طفولته منزوع الذاكرة، أمياً تعوزه القراءة والكتابة، فغدا في موازين السوق وتروس الإنتاج كائناً ساقط المتاع؛ لا كفاءة تُرتجى منه، ولا لغة تُسعفه. ورغم هذا الخواء الظاهر، ظلت عُراه الوثقى بروح العالم ممتدة، وصلته الخفية بأسراره لم تنفصم.
لقد أبصرتُ في ناكاتا احتمالاً أزاح عن كاهلي صخرة العار؛ فلعَلّ جوهر الإنسان لا يُوزن بمهارةٍ يتقنها، ولا بمدى صلاحيته للاحتراق في طاحونة العمل، ولا ببيانٍ ينمّق به صورته في عيون الخلق. ربما يسع المرء أن يحيا خارج أسوار اللغة المألوفة، وأن يقبض على حقيقةٍ تعمى عنها بصائرنا نحن المكتظين بضجيج الكلمات، وكأن حاله مصداقٌ جليّ لمقولة النفّري الخالدة: كُلَّما اتّسَعَتِ الرُّؤيَةُ ضَاقَتِ العِبارَة. لقد سكب ناكاتا في روعي طمأنينةً خالصة: إن قصور باعي عن أداء الدور الذي يفرضه القطيع لا يمسّ من إنسانيتي مثقال ذرة، متنزهاً عن كونه نقصاً، ليكون هو المعبر الحقّ الذي يردّني إلى صفاء فطرتي الأولى.
على أن هذا العزاء لم يكن سداً منيعاً ألوذ به إلى الأبد، فالعالم الذي تُشرع نوافذه العزلة والأحلام ليس فضاءً خِلْواً من العواقب. وحين قرع موراكامي بصيرتي بعبارته: في الأحلام تبدأ المسؤولية، تداعت جدران الوهم دكّاً. فهذه الكلمات لم تنبت من فراغِ حكمةٍ عابرة، بل هي إرثٌ أدبي ينوء بثقل الدلالات؛ نطق بها أوشيما في الرواية عازياً إياها إلى الشاعر ييتس، وهي ذاتها التي توّجت قصة ديلمور شوارتز الشهيرة. ففي قصة شوارتز، يطوي الراوي الزمن في منامه ليرى ماضي أبويه، فيقف على الجرح، ويُفجع بعجزه عن رتق البدايات. وعند موراكامي، يتسع المدار؛ فكافكا يفرّ من نبوءة أبيه ليجد نفسه سجيناً في شباكها، وإيخمان يتترّس خلف تروس النظام الوظيفي ليجعل من المحرقة فعلاً آلياً لا إرادة فيه. الرواية هنا لا تنصب ميزان الحساب لما نعبر به في منامنا، فالحلم اللاإرادي جريرةً تهمس في صمتٍ صارم: قد لا يكون الحلم حلمك، وقد لا تكون أنت صانعه، لكنك -لا ريب- رهينُ الدور الذي تؤديه في مسرحه متى ما أسفر لك عن حقيقتك.
وقبل أن تصطك روحي بهذه الحقيقة، كنت أحسب العزلة انعتاقاً، وأن انسلالي من البحث عن وظائف ولُجج العمل كان خياراً توّجته بكامل إرادتي. كنت أرى في الخيال والأحلام ملاذاً سلبياً، وصومعةً اعتصم بها، مردداً في سري: المرءُ في باطنه أمير، وما دمت منسحباً في ذاتي، فلا تبعة لما أتصوره. بنيت لنفسي معتقلاً من الفراغ وسمّيته نجاةً، واهماً أن السكون يعفيني من مشقة الوصول، وأن العطالة مرفأٌ آمن من رحى الزمن الطاحنة. لم أكن أرى في هذا الانزواء استسلاماً، متوسلاً بوهْمِ القرار لأستر به حقيقتي؛ فقلت بلسان الحال: أنا من اختار الخروج، فأنَذا إذن حرٌّ طليق.
غير أن اليقين سرعان ما بدد هذا السراب؛ وأدركت أن الانسحاب عينه لم يكن سوى حلمٍ من أحلام الإرادة الزائفة، خيالٌ عن حياةٍ منزهةٍ عن الزلل، استحال بطول الألفة إلى قيدٍ وغُلّ. طال انتظاري للوظيفة حتى خُيّل إليّ أن خلاصِي معلقٌ بها. وحين جاءت، فتحتُ لها الباب كمن يستقبل النجاة؛ فإذا بها تقودني من سجن الغرفة الموحش إلى سجن المكتب المزدحم، ومن بوار العطالة إلى رتابة الأرشيف المميتة. كنت أنصرف كل مساءٍ في الرابعة تماماً، أجرّ خطاي إلى سيارة المازدا كمن ينسلخ من حلمٍ ليرتدي آخر. هناك، كنت أستيقظ من أحلامي وفي صدري أنفاس حيواتٍ لم أعشها في صحوتي. لم أكن مسؤولاً عن الطيف الذي زارني، لكنني غدوتُ، لا محالة، مسؤولاً عن الأثر الذي خلّفه في يقظتي.
ولأجل هذا، حين انحرفت الشاحنة نحوي مهددةً، تجاوز سؤالي هاجس الدنوّ والأجل؛ متخطياً رعب الفناء إلى ما هو أشد مضاضة: هل بقيت فيّ إرادةٌ للنجاة؟ هل أنا قبطان سفينتي حقاً، أم أن أيامي تُطوى آلياً، كقدمٍ تضغط على الدواسة في غفلةٍ عن المآل؟ في ذلك الكسر الخاطف من الثانية، سبقت قدمي ارتداد طرفي، فهوت على المكابح قبل أن يتدخل العقل، فكانت النجاة.
عندها، أسفرت العبارة عن وجهها، وتجلت بكامل ثقلها الوجودي: إن المسؤولية تتخلق حين ندرك أننا قابعون في جوف الحلم، متمنعين عن الرضا بدور البيادق الصامتة. وربما لم تكن إرادتي يومها سوى الرغبة في كبح جماح الآلة عن المسير الأعمى. فالأحلام تجلو ما استتر في قيعان النفوس، ومنذ لحظة الانكشاف تقع الواقعة، مفرضةً علينا مسؤوليتنا الكبرى في ألا نتركها تقود مقاديرنا من وراء حجاب؛ فكما قيل قديماً: من نام عن نفسه، أيقظته صروفُ القَدَر.
وهكذا، مدفوعاً بوهم النجاة، هربتُ من العطالة نحو الوظيفة. ركضتُ نحو المبنى الزجاجي الذي تمنيته طويلاً، لكن المفارقة كانت أشد قسوة. كنت أهرب من وظيفة لم أحصل عليها، ثم حصلت على وظيفة تمنيتها طويلاً، فاكتشفت أنني أستطيع أن أموت ببطء داخل الشيء الذي ظننته نجاة. كلاهما كان سجناً يهدد هويتي؛ كانت العطالة تقتلني بفراغ العمل وامتلاء الفكر، وأصبحت الوظيفة تقتلني بالامتلاء المهام وفراغ الوعي. في الأولى كنت أعرفني أكثر مما أحتمل، وفي الثانية صرت لا أعرف من أنا: رقمٌ في أرشيف، جسدٌ يخرج كل مساء في الرابعة تماماً، ويدٌ تقود سيارة لا تعرف إلى أين تمضي.
وفي غمرة هذا التيه، انحرفت الشاحنة نحوي كقضاءٍ مبرم، ولاح الموت في كتل الحديد الزاحف. في ذلك الكسر الخاطف من الثانية، ما ألقى الرعب في روعي هو ذلك السؤال الذي ومض في رأسي وميض البرق: هل كنت حقاً أريد المضيّ في هذا الطريق؟ وحين هويتُ بقدمي على المكابح بكل ما أوتيت من بأس، لم أكن أنتشل جسدي من براثن الموت الفسيولوجي فحسب؛ ففي تلك اللحظة الكثيفة، أستردّ حقي المسلوب في الاختيار، وأنتزع إرادتي من أنياب الآلية العمياء. لم تستحل الحياة فجأةً إلى فردوس، ولم يتلاشَ سجني الزجاجي، ولم تتبدد غيوم عزلتي، لكنني أيقنتُ أن الانسحاب ليس قدراً محتوماً، وأن الخضوع ليس نهاية المطاف. لقد أدركتُ، على حافة الفناء، صدق الأثر القائل: النَّاسُ نِيَامٌ، فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا؛ وكأن دنوّ الموت هو الصاعقة التي أيقظت فيّ إرادة الحياة. قد لا أملك الخيار في تغيير هذا المضمار الدائري بأسره، غير أنني أملك… في لحظة الحسم، ألا أترك عجلة القيادة تمضي بي إلى حتفي وحدها. إذا كان الحلم في حدّ ذاته أمرًا مشروعًا، فإن الأكثر إلحاحًا في ظل التحديّات التي تواجه واقعنا، هو العمل على تحويل الحلم إلى مشروع حقيقي على الأرض.
-جواد العيد